كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ولقد عرضت الموجة الأولى حقيقة الألوهية ممثلة في خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلق الإنسان من طين، وقضاء الأجل الأول لعمره، وتسمية الأجل الثاني لبعثه. مقررة شمول ألوهية الله للسماوات وللأرض، وإحاطة علمه بسر الناس وجهرهم وما يكسبونه في السر والجهر.. كل أولئك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي. ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق في الحياة الإنسانية. من إسلامها بجملتها لله وحده، لا تعدل به أحدًا، ولا تمتري في هذه الوحدانية. ومن إقرارها بشمول الألوهية لشئون الكون ولشئون الحياة الإنسانية في السر والجهر. ومن ترتيب النتائج الطبيعية لهذه الحقائق في الاستسلام لحاكمية الله وحده في شؤون الحياة الأرضية كالاستسلام لهذه الحاكمية في الشؤون الكونية..
فأما هذه الموجة الجديدة فتستهدف كذلك إبراز حقيقة الألوهية، ممثلة في الملك والفاعلية، وفي الرزق والكفالة؛ وفي القدرة والقهر؛ وفي النفع والضر.. كل ذلك لا لمجرد التقرير اللاهوتي أو الفلسفي النظري السلبي.. ولكن لتقرير مقتضيات هذه الحقائق من توحيد الولاية والتوجه؛ وتوحيد الاستسلام والعبودية.. واعتبار الولاية والتوجه مظهر الاستسلام والعبودية. فإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنكر أن يتخذ غير الله وليًا؛ بين أن هذا الاستنكار قائم أولًا على أن الله يطعم ولا يطعم؛ وقائم ثانيًا على أن تولي غير الله نقض لما أُمر به من الإسلام وعدم الشرك أيضًا..
ويصاحب عرض حقيقة الألوهية، في هذه الصورة ولهذا الغرض، جملة مؤثرات قوية تخلخل القلوب. تبدأ بعرض حقيقة الملكية لكل شيء. وحقيقة أن الله هو الذي يطعم ولا يطعم. وعرض العذاب الرعيب الذي يعد مجرد صرفه رحمة من الله وفوزًا عظيمًا. وعرض القدرة على الضر والخير. وعرض الاستعلاء والقهر. وعرض الحكمة والخبرة.. ثم الإيقاع الرهيب المزلزل، المتمثل في الأمر العلوي الهائل: قل. قل. قل:
فإذا تم هذا العرض بكل مؤثراته العميقة، جاء الختام بالإيقاع العالي المجلجل.. إيقاع الإشهاد على التوحيد، وإنكار الشرك، والمفاصلة الحاسمة؛ مصحوبًا كذلك بالأمر العلوي في كل فاصلة: {قل أي شيء أكبر شهادة}.
{قل الله}.. {قل لا أشهد}.. {قل إنما هو إله واحد}.. مما يضفي على الجو كله رهبة غامرة؛ ويضفي على الأمر كله طابع جد مرهوب!
{قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم}..
إنه موقف المواجهة للبيان والتقرير، ثم المفاصلة.. ومن ثم يبدأ بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المواجهة. مواجهة المشركين- الذين يعرفون أن الله هو الخالق ثم يعدلون به من لا يخلق؛ فيجعلون له شركاء مع الله في تصريف حياتهم- مواجهتهم بالسؤال عن الملكية- بعد الخلق- لكل ما في السماوات والأرض، مسقصيًا بهذا السؤال حدود الملكية في المكان:
{ما في السماوات والأرض}.. مع تقرير الحقيقة التي لم يكونوا هم يجادولن فيها؛ والتي حكى القرآن في مواضع إقرارهم الكامل بها: {قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله}..
ولقد كان العرب في جاهليتهم- على كل ما في هذه الجاهلية من ضلال في التصور ينشأ عنه انحطاط في الحياة- أرقى- في هذا الجانب- من الجاهلية العلمية الحديثة، التي لا تعرف هذه الحقيقة، والتي تغلق فطرتها وتعطلها دون رؤية هذه الحقيقة! كانوا يعرفون ويقررون أن لله ما في السماوات والأرض. ولكنهم ما كانوا يرتبون على هذه الحقيقة نتائجها المنطقية؛ بإفراد الله سبحانه بالحاكمية فيما يملك، وعدم التصرف فيه إلا بإذن الله وحده وشرعه.. وبهذا اعتبروا مشركين، وسميت حياتهم بالجاهلية! فكيف بمن يخرجون الحاكمية في أمرهم كله من اختصاص الله سبحانه؛ ويزاولونها هم بأنفسهم؟! بماذا يوصفون وبماذا توصف حياتهم؟ لابد من إعطائهم صفة أخرى غير الشرك.. فهو الكفر والظلم والفسق كما يقرر الله سبحانه.. أيًا كانت دعواهم في الإسلام وأيًا كانت الصفة التي تعطيها لهم شهادات الميلاد!
ونعود إلى الآية. لنجد السياق يلحق بهذا التقرير لملكية الله سبحانه لما في السماوات وما في الأرض، أنه- سبحانه: {كتب على نفسه الرحمة}..
فهو سبحانه المالك، لا ينازعه منازع، ولكنه- فضلًا منه ومنة- كتب على نفسه الرحمة. كتبها بإرادته ومشيئته؛ لا يوجبها عليه موجب؛ ولا يقترحها عليه مقترح؛ ولا يقتضيها منه مقتض- إلا إرادته الطليقة وإلا ربوبيته الكريمة- وهي- الرحمة- قاعدة قضائه في خلقه، وقاعدة معاملته لهم في الدنيا والآخرة.. والاعتقاد إذن بهذه القاعدة يدخل في مقوّمات التصور الإسلامي، فرحمة الله بعباده هي الأصل، حتى في ابتلائه لهم أحيانًا بالضراء. فهو يبتليهم ليعد طائفة منهم بهذا الابتلاء لحمل أمانته، بعد الخلوص والتجرد والمعرفة والوعي والاستعداد والتهيؤ عن طريق هذا الابتلاء؛ وليميز الخبيث من الطيب في الصف، وليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه؛ وليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيّ عن بينة.
. والرحمة في هذا كله ظاهرة..
على أن تلمس مواضع رحمة الله ومظاهرها يستغرق الأعمار والأجيال. فما من لحظة إلا وتغمر العباد فيها الرحمة.. إنما ذكرنا الرحمة في الابتلاء بالضراء، لأن هذه هي التي قد تزيغ فيها القلوب والأبصار!
ولن نحاول نحن أن نتقصى مواضع الرحمة الإلهية أو مظاهرها- وإن كنا سنشير إشارة مجملة إلى شيء من ذلك فيما يلي- ولكننا سنحاول أن نقف قليلًا أمام هذا النص القرآني العجيب:
{كتب على نفسه الرحمة}.
وقد تكرر وروده في السورة في موضع آخر سيأتي: {كتب ربكم على نفسه الرحمة}..
إن الذي يستوقف النظر في هذا النص هو ذلك التفضل الذي أشرنا من قبل إليه.. تفضل الخالق المالك ذي السلطان القاهر فوق عباده.. تفضله سبحانه بأن يجعل رحمته بعباده في هذه الصورة.. مكتوبة عليه.. كتبها هو على نفسه؛ وجعلها عهدًا منه لعباده.. بمحض إرادته ومطلق مشيئته.. وهي حقيقة هائلة لا يثبت الكيان البشري لتمليها وتأملها وتذوق وقعها؛ حين يقف لتدبرها في هذه الصورة العجيبة..
كذلك يستوقف النظر مرة أخرى ذلك التفضل الآخر الذي يتجلى في إخباره لعباده بما كتبه سبحانه على نفسه من رحمته. فإن العناية بإبلاغهم هذه الحقيقة هي تفضل آخر، لا يقل عن ذلك التفضل الأول! فمن هم العباد حتى تبلغ العناية بهم أن يبلغوا ما جرت به إرادة الله في الملأ الأعلى؟ وأن يبلغوا بكلمات منه سبحانه يحملها إليهم رسوله؟ من هم؟ إلا أنه الفضل العميم، الفائض من خلق الله الكريم؟!
إن تدبر هذه الحقيقة على هذا النحو ليدع القلب في عجب وفي دهش؛ كما يدعه في أنس وفي روْح لا تبلغ الكلمات أن تصور جوانبه وحواشيه!
ومثل هذه الحقائق، وما تثيره في القلب من مشاعر؛ ليس موكولًا إلى التعبير البشري ليبلغ شيئًا في تصويره؛ وإن كان القلب البشري مهيأ لتذوقه، لا لتعريفه!
وتمثل هذه الحقيقة في التصور الإسلامي يكوّن جانبًا أساسيًا من تصور حقيقة الألوهية، وعلاقة العباد بها.. وهو تصوّر جميل مطمئن ودود لطيف. يعجب الإنسان معه لمناكيد الخلق الذين يتقولون على التصور الإسلامي في هذا الجانب، لأنه لا يقول ببنوة أحد من عباد الله لله!- على نحو ما تقول التصورات الكنسية المحرفة- فالتصور الإسلامي إذ يرتفع على هذه التصورات الصبيانية الطفولية، يبلغ في الوقت ذاته من تصوير العلاقة الرحيمة بين الله وعباده هذا المستوى الذي يعجز التعبير البشري عن وصفه. والذي يترع القلب بحلاوة مذاقه، كما يروعه بجلال إيقاعه..
ورحمة الله تفيض على عباده جميعًا؛ وتسعهم جميعًا؛ وبها يقوم وجودهم، وتقوم حياتهم.
وهي تتجلى في كل لحظة من لحظات الوجود أو لحظات الحياة للكائنات. فأما في حياة البشر خاصة فلا نملك أن نتابعها في كل مواضعها ومظاهرها؛ ولكننا نذكر منها لمحات في مجاليها الكبيرة:
إنها تتجلى ابتداء في وجود البشر ذاته. في نشأتهم من حيث لا يعلمون. وفي إعطائهم هذا الوجود الإنساني الكريم؛ بكل ما فيه من خصائص يتفضل بها الإنسان على كثير من العالمين.
وتتجلى في تسخير ما قدر الله أن يسخره للإنسان، من قوى الكون وطاقاته. وهذا هو الرزق في مضمونه الواسع الشامل. الذي يتقلب الإنسان في بحبوحة منه في كل لحظة من لحظات حياته.
وتتجلى في تعليم الله للإنسان، بإعطائه ابتداء الاستعداد للمعرفة؛ وتقدير التوافق بين استعدادته هذه وإيحاءات الكون ومعطياته.. هذا العلم الذي يتطاول به بعض المناكيد على الله، وهو الذي علمهم إياه! وهو من رزق الله بمعناه الواسع الشامل كذلك.
وتتجلى في رعاية الله لهذا الخلق بعد استخلافه في الأرض، بموالاة إرسال الرسل إليه بالهدى، كلما نسي وضل؛ وأخذه بالحلم كلما لج في الضلال؛ ولم يسمع صوت النذير، ولم يصغ للتحذير. وهو على الله هين. ولكن رحمة الله وحدها هي التي تمهله، وحلم الله وحده هو الذي يسعه.
وتتجلى في تجاوز الله سبحانه عن سيئاته إذا عمل السوء بجهالة ثم تاب، وبكتابة الرحمة على نفسه ممثلة في المغفرة لمن أذنب ثم أناب.
وتتجلى في مجازاته عن السيئة بمثلها، ومجازاته على الحسنة بعشر أمثالها. والمضاعفة بعد ذلك لمن يشاء. ومحو السيئة بالحسنة.. وكله من فضل الله. فلا يبلغ أحد أن يدخل الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته. حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال عن نفسه، في معرفة كاملة بعجز البشر وفضل الله.
والإقصار منا عن متابعة رحمة الله في مظاهرها، وإعلان القصور والعيّ عنها، هو أجدر وأولى. وإلا فما نحن ببالغين من ذلك شيئًا! وإن لحظة واحدة يفتح الله فيها أبواب رحمته لقلب العبد المؤمن؛ فيتصل به؛ ويعرفه؛ ويطمئن إليه سبحانه ويأمن في كنفه؛ ويستروح في ظله.. إن لحظة واحدة من هذه اللحظات لتعجز الطاقة البشرية عن تمليها واستجلائها، فضلًا على وصفها والتعبير عنها.
فلننظر كيف مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الرحمة بما يقّربها للقلوب شيئًا ما:
أخرج الشيخان- بإسناده عن أبى هريرة رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق- وعند مسلم: لما خلق الله الخلق- كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي.. وعند البخاري في رواية أخرى: إن رحمتي غلبت غضبي».
وأخرج الشيخان بإسناده عنه رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جعل الله الرحمة مائة جزء. فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا. فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه».
وأخرج مسلم- بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله مائة رحمة. فمنها رحمة يتراحم بها الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة».
وله في أخرى: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض. فجعل منها في الأرض رحمة واحدة، فيها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض. فإذا كان يوم القيامة أكملها الله تعالى بهذه الرحمة».
وهذا التمثيل النبوي الموحي، يقرب للإدراك البشري تصور رحمة الله تعالى.. ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة، والضعف والمرض؛ وبالأقرباء والأوداء والأصحاب؛ وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض- ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب- ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات الله سبحانه.. فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئًا ما!
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى:
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي. فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلب ثديها، إذ وجدت صبيًا في السبي، فأخذته، فألزقته ببطنها فأرضعته. فقال صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله وهي تقدر على ألا تطرحه. قال: «فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها». أخرجه الشيخان.
وكيف لا. وهذه المرأة إنما ترحم ولدها، من فيض رحمة واحدة من رحمات الله الواسعة؟
ومن تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية، بهذا الأسلوب الموحي، كان ينتقل بهم خطوة أخرى؛ ليتخلقوا بخلق الله هذا في رحمته، ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعًا؛ ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها، كما تذوقتها في معاملة الله لهم بها من قبل.
عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الله تعالى. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء». أخرجه أبو داود والترمذي.
وعن جرير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». أخرجه الشيخان والترمذي.
وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي».
وعن أبي هريرة كذلك. قال: «قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا! فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: من لا يرحم لا يُرحم». أخرجه الشيخان.